سماحة الشيخ أحمد كفتارو

1330هـ - 1912م : لا يزال على قيد الحياة أطال الله عمره ونفع به.

حمل لواء الدعوة والإرشاد، وهو لا يزال في أوائل مراحل الشباب، لم يكن الشعر قد نبت في لحيته بشكل كامل. ويبدو أن مشيئة الله لم ترد له - كما يقول البروفسور سونارجو مدير جامعة شريف هداية الله الإسلامية بجاكرتا - أن تتحقق آمال طفولته في أن يكون طبيباً يعالج الأجسام، بل أرادت له أكثر مما كان يحلم ويتصور، أرادت له أن يكون طبيب القلوب يحمل لواء الدعوة والإرشاد، فيهدي العباد إلى سواء الصراط، وينير قلوبهم ويشفيها من أدران المعاصي والغفلات، فكان بذلك طبيب الروح والعقل لا طبيب الجسد، بدء مرحلة الدعوة الجدية منذ أن أنهى المرحلة الأولى من طلب العلم حيث دخل مدرسة التربية الروحية بإشراف والده المربي الكامل الشيخ محمد أمين كفتارو، وتخرج منها بإجازة خطية، أجازه فيها بالدعوة والإرشاد، وبكل ما أجازه به شيوخه، فتكامل للشيخ الشاب كل ما يلزمه من عدة في حمل أعباء الدعوة، العدة العلمية التي أخذها عن أشياخه من جهابذة العلم، فحصل منهم على أكبر ذخيرة علمية في مختلف علوم الآلات والفقه والحديث والتفسير، والعدة الروحية التي حصل عليها من ذكر الله وتزكية النفس.

وكان أن نزل الشيخ الشاب إلى ميدان الدعوة إلى الله فتسلم أعباء الدعوة من والده شيئاً فشيئاً، حتى سار الركب في حياة والده - وعلى مرآى منه وتشجيع - شوطاً بعيداً، حتى إنه كان في بعض الأحيان يتصدر للتدريس، وقد التف من حوله العدد الغفير من طلاب العلم، وقد جلس إلى جانبه الوالد الشيخ وضيوف من العلماء أمثال الشيخ هاشم الخطيب وغيرهم من العلماء الكبار.

وما زال يقوم بأعباء الدعوة، تحت نظر شيخه وتشجيعه، إلى أن ألح المرض على الشيخ محمد أمين فاضطره إلى أن يلزم البيت.

وعنذ ذلك قام بحمل أعباء الدعوة كلها بالإضافة إلى أعباء خدمته لوالده المريض، فكان يبذل في ذلك الجهود المضنية حيث إنه كان يضطر إلى هجر فراش النوم الليالي ذوات العدد فإذا ما نام أغفا إغفاءة المتحفز بحيث لم يكن يرتاح من أعبائه إلا ليواصل ما هو أثقل من الأعباء.

 

دعوته إلى كتاب الله وسنة رسوله وتزكية النفس (الجمع بين الروح والعقل):

لقد حمل أعباء الدعوة إلى الله وتفاعلت نفسه مع الدعوة وتجاوبت همته مع بذل روح الإيمان فقام ينفق وقته كله في مسجده يدعو إلى الله على بصيرة ويرعى قلوب طلاب العلم والأحباب، فيربط بين العلم والقلب بأسمى رباط فبهر العقول وسحر الألباب بنور الحق الساطع الذي لا يستطيع أن ينكره صاحب بصر، فكثر المحبون الذين كانوا يجدون في مجلسه ضالتهم المنشودة، وبغيتهم المطلوبة. لقد نظر إلى مجتمعه نظرة الفاحص المتأمل، فدرس مشكلاته وفحص أوضاعه فوجده يسير من سيء إلى أسوأ وأدرك أنه لا برء لمجتمعه من هذه الأمراض والآفات الاجتماعية إلا بالإسلام.

وإذا ما كانت هناك فئات إسلامية، منطلقة من خارج المسجد، رأت العمل لبناء المجتمع الإسلامي عن طريق التصدي لقمة هرم المجتمع، معتمدة على فرضية افترضوها مفادها أن إصلاح المجتمع لا يمكن أن يتم إلا بدءاً من القمة.. فإنه كان له رأي مخالف لهم تماماً، بل يناقض رأيهم هذا إذ أنه يرى أن إصلاح المجتمع ينبغي أن يبتدئ من القاعدة، من الفرد المسلم، بغض النظر عمن يكون في القمة، وذلك لأنه يرى أن أساس بناء المجتمع إنما هو مجموعة أفراده فإذا استطعنا أن نصلحهم وصلنا في النهاية إلى إصلاح المجتمع بكامله، من قاعدته إلى قمته كما أنه يرى أنه للوصول إلى تلك الغاية لا بد من تسخير كل الطاقات في المسجد والمدرسة، في السينما والإذاعة والتلفاز، في الصحف والمجلات، وللوصول إلى هذا الإصلاح ألقى نظرة عميقة فاحصة، فرأى أن أهل التصوف، مع عظيم فضلهم، اهتموا بجانب التزكية والتربية الروحية، ونسوا أو أهملوا جانب العقل والحياة، في حين أن هناك فئة أخرى سارت على النقيض من ذلك، فحاربت التصوف أو جانبته، لوجود بعض البدع لدى كثير من المتصوفة، ولابتعاد هؤلاء عن جانب العقل والحياة، وقامت بالاعتماد على بناء الفكر العقلاني السليم لدى الفرد المسلم، مهملين جانب التزكية الروحية.

رأى تلك الحقائق الواقعة، وأدرك بثاقب بصره أن كلا الطرفين متناقضين مخطئ في تطرفه، وأن الأمر لا يعدو أن كلاً من الطرفين تمسك بجزء من الإسلام الصحيح، وغفل عن جزء آخر موجود لدى غيره لذلك فإنه لا بد من إدراك حقيقة الإسلام والسعي لتحقيقها كاملة، فرأى أن الإصلاح الحقيقي، لا يمكن أن يتم إلا عن طريق التهذيب الروحي، المعتمد على ذكر الله القلبي، مقروناً بالتوعية الفكرية المعتمدة على ما ورد في الكتاب الكريم والسنة الشريفة، فيقول في ذلك: إن الإصلاح لا يمكن أن يتم إلا بالتقاء الفكر مع القلب، شأنه في ذلك شأن التيار الكهربائي الذي لا يمكن أن يعطي الشرارة وينير المصباح إلى بالتقاء مأخذي التيار السالب والموجب، ولذلك فإن الأستاذ سعيد رمضان عندما وقف في حفل عشاء أقيم في السفارة السعودية في دمشق يعرف بالحاضرين، لا يكاد يصل بتعريفه إلى سماحة الشيخ إلا ويعبر عن حيرته في الوصف الذي يطلقه عليه، هل يصفه بالتصوف وهو الشيخ المربي الذي ربى الأجيال وزكى نفوسها بالاعتماد على ذكر الله، أم يصفه بالسلفية وهو الذي يعلن تمسكه بالكتاب والسنة، ويجافي البدع التي وقع فيها كثير من المتصوفة غير أن الأستاذ سعيد رمضان من كان له أن يحتار في الوصف لأن وصف سماحته بعبارة: المسلم الحق، يغنيه عن التماس أي وصف آخر، فالإسلام - كما يرى سماحة الشيخ - لا هو صوفي ولا هو سلفي هو قبل تيك الفئتين، وفوق جمود كثير من ذانك الطرفين، فذلك أخذ جانب التهذيب الروحي والتربية القلبية بذكر الله وهذا آخذ الجانب الفكري العقلاني، وحارب بدعاً وقع فيها بعض أولئك. والإسلام يعتمد على التهذيب الروحي بذكر الله والتربية الفكرية العقلية معاً. وهو يرى أنه إذا ما كان الخلاف على نشأة الطرق ومصطلحاتها فإنه لا مانع من رفع الاسم والمصطلحات جانباً، للاتفاق على حقيقة لا يمكن أن ينكرها أحد، ولا يمكن أن يستغني عنها أحد، ألا وهي التربية الروحية وإذا ما تهيأ لبعضهم أن يدعي بإمكانية الاستغناء عن مدرسة تزكية النفس وتطهيرها فيما يسمى بالتصوف وسلوك الطريق على اعتبار أنها في رأيهم من الكمالات النفسية الصعبة التي لا يريدون أن يقحموا أنفسهم فيها، فإنه لن يستطيع أحدهم أبداً أن يدعي إمكان الانصراف عن جوهر ذلك من التربية الروحية وذكر الله، ولإن كان الخلاف كما يقول سماحة الشيخ على التسمية دون الجوهر فإنه لا مانع من رفع الإثم ليتوصل الجميع إلى الحقيقة التي أمر الله بها، من تصفية للروح عن طريق ذكر الله نفساً وفكراً، استجابة لأمر الله عزوجل بالذكر في آيات كثيرة. وإذا ما اعتمد سماحته لبناء المجتمع المسلم على التربية الروحية وذكر الله، فإنه قد خالف ما استقر في أذهان بعضهم من اقتران الاسلام بالزهد في الدنيا والانصراف عنها، وإذا ما ألفت أذهاننا أن نرى قوماً يخالفون هؤلاء الزهاد وأنصارهم ويرون أنه لا مانع شرعاً من أن يكون الإنسان غنياً متمثلين بقول سيدنا علي كرم الله وجهه: ليس الزهد ألا تملك الدنيا، ولكن الزهد ألا تملكك الدنيا. فإن سماحته قد وقف من هذا الأمر موقفاً جريئاً يخاله المرء بادئ ذي بدء موقفاً شخصياً ثم لا يلبث أن يجد أن الأمر في الحقيقة لا يعدو كونه موقفاً شرعياً، ولكنه غاب عن أذهان الناس، ذلك أنه يرى أن المال الذي هو اليوم قوام الحياة والاقتصاد شيء ينبغي توفيره للمسلم، بمعنى أن المسلم يطلب منه شرعاً أن يسعى لأن يكون غنياً، وليس أن يتواكل ويفر من اسباب الغنى، كما يتوهم كثير من الناس، ويذهب سماحته إلى تأييد فكرته هذه بما يلي:

1- أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك شؤون الحياة بل عمل لها بكل ما أوتي من قوة على اعتبار أنها جزء من الدين وذلك بالإضافة إلى تبتله عليه السلام آناء الليل وأطراف النهار وإدارته شؤون الدولة وتجهيزه الجيوش وتنظيمه للعلاقات المالية بين الناس.

2- إن الصحابة الكرام عملوا في شؤون الحياة وطلبوا المال على الرغم من ضيق سبل الحياة في أيامهم، وجمعوا من المال ما يسر لأحدهم وهو عثمان بن عفان أن يتبرع لجيش العسرة بعشرة آلاف دينار، حتى بات رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلته وهو يقول: اللهم إني أمسيت راضياً عن عثمان فارضَ عنه.

3- بلغت بهم همة العمل، وطلب المال، حداً جعل عبد الرحمن بن عوف يرفض أعطية أخيه الأنصاري، ويكتفِ بأن يقول له: بارك الله لك في زوجك وأموالك، ولكن دلني على السوق، وقام يعمل في شؤون الدنيا، بجد ونشاط حتى أنه قسم أمواله نصفين ثلاث مرات، لا يكاد يتصدق بالنصف حتى يغنيه الله من فضله، فيشطر ماله مرة أخرى، يتصدق بنصفه، ويحتفظ بالنصف الآخر، ليكون له بمثابة رأس مال في تجارته.

4- إن مفهوم قوله تعالى: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة" ليس عبارة عن تقاطر الحسنات من السماء يجمعها الإنسان في وعاء، ويحملها على ظهره، كما جمع بنو إسرائيل المن والسلوى، بل إن المفهوم الحقيقي لهذه الآية هو دعوتهم إلى أن يكونوا في هذه الدنيا بحالة حسنة، الأمر الذي لا يمكن الوصول إليه إلا بالعمل والسعي من أجل الوصول إلى الحالة الحسنة في الدار الدنيا والدار الآخرة.

ويلاحظ في ذلك أن الآية الشريفة قدمت الحالة الحسنة في الدنيا على الحالة الحسنة في الآخرة.

5- إن الغنى هو المطلوب شرعاً من المسلم، حيث إن الإسلام جعل من أداء الزكاة ركناً من أركان الإسلام ولم يجعل قبضها ركناً ولا يتم إحياء هذا الركن الإسلامي إلا بتوفير النصاب ووجود حالة حسنة في الدنيا وبتوافر الغنى لدى المسلم، كما جعل الحج أيضاً ركناً من أركان الإسلام وإحياء هذا الركن الإسلامي لا يتأتى إلا بتوافر الغنى لدى المسلم.

6- إن النبي صلى الله عليه وسلم فضل المسلم الغني الذي يمد يده بالعون، على المسلم الفقير الذي يمد يده ليأخذ المعونة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اليد العليا خير من اليد السفلى)، وطبعاً أن الإسلام يدعو المسلم إلى أن يكون في وضع الخيرية وليس في الوضع المقابل.

ويلخص سماحته رأيه في الزهد فيقول: (إن السلف الصالح عرفوا الزهد انصرافاً بقلوبهم عن الدنيا وملذاتها، وإقبالاً بقلوبهم على الله، بحيث لا يشغلهم ذلك على العمل في أمور الدنيا للوصول إلى الحالة الحسنة في الدنيا، ولم يفهموا الزهد تواكلاً وكسلاً، بحيث قد تكون يد الإنسان بعيدة عن الدنيا وقلبه منغمس في شؤونها، متعلق بها على الرغم من بعده الظاهر عنها وبعدها عنه.